عبد الوهاب بن علي السبكي

240

طبقات الشافعية الكبرى

ولم يزل والدي معظما عند السلطان إلى أن مرض مرضة الموت قال لأكبر أصحابه اذهب إلى ابن عبد السلام وقل له محبك موسى ابن الملك العادل أبي بكر يسلم عليك ويسألك أن تعوده وتدعو له وتوصيه بما ينتفع به غدا عند الله فلما وصل الرسول إليه بهذه الرسالة قال نعم إن هذه العيادة لمن أفضل العبادات لما فيها من النفع المتعدي إن شاء الله تعالى فتوجه إليه وسلم عليه فسر برؤيته سرورا عظيما وقبل يده وقال يا عز الدين اجعلني في حل وادع الله لي وأوصني وانصحني فقال له أما محاللتك فإني كل ليلة أحالل الخلق وأبيت وليس لي عند أحد مظلمة وأرى أن يكون أجري على الله ولا يكون على الناس عملا بقوله تعالى « فمن عفا وأصلح فأجره على الله » وأن يكون أجري على الله ولا يكون على خلقه أحب إلي وأما دعائي للسلطان فإني أدعو له في كثير من الأحيان لما في صلاحه من صلاح المسلمين والإسلام والله تعالى يبصر السلطان فيما يبيض به وجهه عنده يوم يلقاه وأما وصيتي ونصيحتي للسلطان فقد وجبت وتعينت لقبوله وتقاضيه وكان قبيل مرضه قد وقع بينه وبين أخيه السلطان الملك الكامل واقع ووحشة وأمر وهو في ذلك المرض بنصب دهليزه إلى صوب مصر وضرب منزلة تسمى الكسوة وكان في ذلك الزمان قد ظهر التتر بالشرق فقال الشيخ للسلطان الملك الكامل أخوك الكبير ورحمك وأنت مشهور بالفتوحات والنصر على الأعداء والتتر قد خاضوا بلاد المسلمين تترك ضرب دهليزك إلى أعداء الله وأعداء المسلمين وتضربه إلى جهة أخيك فينقل السلطان دهليزه إلى جهة التتار ولا تقطع رحمك في هذه الحالة وتنوي مع الله نصر دينه وإعزاز كلمته فإن من الله بعافية السلطان رجونا من الله إدالته على الكفار وكانت في ميزانه هذه الحسنة العظيمة فإن قضى الله تعالى بانتقاله إليه كان السلطان في خفارة نيته